جدلية الشيعي والسني والسبات التاريخي
بقلم خالص جلبي
سألني عيسى من المشفى الذي أعمل فيه عن زميل لنا يعمل في القسم هل فلان شيعي؟
قلت له: لا أعرف. ولست متأكداً. ولم أسأله. وقد يكون.
قال: لقد عرفت أنه شيعي؟
قلت له: وكيف عرفته؟
قال: من عينيه.
قلت له ماذا أخبرتك عيناه؟
أجاب: كانتا تشعان بالخبث.
سكت أنا للحظات بعد هذا الاكتشاف المذهل؟
ثم التفتت إليه فسألته: هل تعلم أين ولد فلان؟
قال: لا.
قلت له: الرجل ولد في الناصرية في جنوب العراق.
لم يستوعب ما أرمي إليه، فهو خارج إحداثيات الجغرافيا والتاريخ.
ثم فاجأته بسؤال أصعب: يا صديقي لو ولدت أنت في بايرن في ألمانيا هل كنت تعلم ما هو الدين الذي كنت ستدين به؟
ذعر من السؤال، ولم يتصور ارتباط بايرن بالدين.
أجاب بشيء من التضايق: ماذا تقصد بسؤالك؟
قلت له: لاشيء مجرد السؤال.
وكان عدم الجواب أبلغ من أي جواب.
يولد الناس من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئاً وعندهم قدرة التشكل على قالب أي ثقافة بأفضل من الحديد في مصانع الصلب. فتخرج منها سيارة مرسيدس أو حاوية قمامات. وقدم البنت الصينية كانت في القرن الفائت تضغط لتبقى صغيرة بطول بضع سنتمترات لأن القدم الكبيرة كانت غير مرغوبة في الزواج. وفي قبائل غينيا من العيب على الرجل أن يمشي بدون قرن ثور مشدود إلى قضيبه دلالة على الفحولة. وفي تهامة من عسير يطهر الغلام بسلخ جلد منطقة العانة كلها ويوضع الطين فوق المكان المكشوط. وفي بعض مناطق التيبت يرحب بالضيف بإبراز اللسان. وفي الإسكيمو يحتفل الرجل بالضيف بتقديم زوجته له.
كما أن الصينيين يكرموا الأموات بوضع أفخر الطعام على الضريح. وعندما تعجب بريطاني منهم أن الميت لا يأكل؟ كان جواب الصيني: إنكم تضعون أجمل الزهور على قبر ميتكم والميت لا يشم؟ والمشكلة هي أن كل واحد يضحك من ثقافة الآخر ويضع يده على رأسه عجبا. ولم يدع نوح قومه إلا إلى ما هو منفعتهم ولكنهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا. وضحك مشركو قريش كثيرا من الأمثلة التي كانت تضرب لهم. ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون. أي يضحكون.
وكان الإزتيك عام 1500م في المكسيك يتقربون إلى الله بانتزاع قلب شاب قوي وهو على قيد الحياة فيخرج الكاهن إلى الشعب وبيده القلب يخفق فيهلل الجمهور استحساناً. وإلى فترة قريبة كان البشر يأكل بعضهم لحم بعض فكرهتموه. ويذكر المؤرخ (ديورانت) أنه لفترة قريبة من التاريخ الإنساني كان لحم البشر يباع معلقاً عند القصابين مثل الخرفان. وينقل عن بعض القبائل الأفريقية أنها كانت تستطيب لحم الرجل الأبيض. ومعروف عن الأسد أنه إن أكل لحم البشر اعتاده بسبب ملوحته عن لحم الغزلان. وفي فيلم (على قيد الحياة) وهي قصة حقيقية سقطت طائرة على قمم جبال الإنديز وحوصر الناس لمدة 72 يوماً في الثلج والبرد ولم ينقذهم من الموت إلا أن يأكلوا بعضهم بعضاً. وعند حصار تل الزعتر في بيروت أفتى أحدهم بجواز أكل لحم الميت دفعاً للمجاعة التي فرضها عليهم إخوانهم العرب. ويصلي الشيعة خمس صلوات في ثلاث أوقات ولا يشعرون بالحرج في الوقت الذي يرى البعض أنهم رافضة أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى.
وعند سكان أوستراليا الأصليين تتدلى أثداء النساء بدون أن تثير الفتنة. وفي كهوف الفليبين يعيش الناس رجالاً ونساءً مع أطفالهم في حالة عري كامل فلا يصيح واعظهم أن هذا مخل بالأخلاق. وبالمقابل فإن كشف (يد) امرأة متلفعة بالسواد من مفرق رأسها حتى أخمص القدم يثير الشهوة عند رجال يعيشون في حالة هلوسة جنسية عن عالم المرأة. ولو اندس رجل أبيض وتلفع بالأسود ثم أبرز يده لحرك شهوة القوم. وفي بلد عربي لاحق أحد المتشددين سيدة يطلب منها الانتباه إلى حقيبتها فشكرته وتعجبت من الأريحية. ولكن تبين أنه كان يريد إفهامها أن حزام الحقيبة أظهر حجم كتفها بما يثير الفتنة.
وبالمقابل فإن الأب لا تثيره ابنته ولو كشفت ساقها. في الوقت الذي كان الفراعنة يتزوجون أخواتهم في صورة معكوسة.مما يؤكد أن الجنس (هندسة جنسية) كما كتبت المغربية (فاطمة المرنيسي) كتاباً كاملاً عنه.
وبقدر حضور المرأة بقدر (أنسنة) المجتمع وانحسار قيمة الجنس لصالح (الإنسان). وفي ألمانيا تتزعم النساء النقابات العمالية بدون معنى جنسي. وعندما انطلقت كوكبة من الفتيات عاريات الصدر في كندا ألقى البوليس القبض عليهن ليس بسبب جنسي فقيمة (الحرية) هناك أهم من (الشرف) السائد في الشرق، بمعنى أن المرأة التي تمارس الجنس بحريتها ليس عليها جناح ولكن الويل لمن اغتصبها. أما الأنثى في الشرق فينحرها أخوها أو أبوها بيده غسلاً للعار وإعادة الاعتبار للشرف وإعلان الوصاية على المرأة في شريعة الفحولة أكثر من العدالة.
والمشكلة أن مثل هذه التباينات وتقبلها لا تحل بالطرح النظري ولو تحدث الإنسان ألف سنة أو يزيدون، والذي يحلها هو اختلاط الشعوب وتمازج الثقافات، فيعرف الإنسان أن الحياة جداً منوعة ومختلفة. ولذلك خلقهم. وبقدر اختباء المرأة في البيئات المغلقة بقدر حضور المرأة الشركسية والألمانية. فهذه ثقافة وليست تلقيناً.
وفي مؤتمر إسلامي في آخن في ألمانيا حضرت امرأة ألمانية مع زوجها من مسافة 400 كم فحاولت سيدة عربية فصلها عن زوجه بدعوى التقوى فكان جواب الألمانية: إنني مسلمة ولكنني لست ملزمة بعاداتكم العربية ولست مفارقاً زوجي فافعلوا ما بدا لكم. فسكتوا كارهين. ولكن في أمريكا طلب منظمو المؤتمر من الشرطة الأمريكية التدخل لإلقاء القبض على سيدة مسلمة أبت إلا أن تجلس في مكان الرجال لاستماع المحاضرات ولم ترض أن تقعد بين الخالفين مع صراخ الأطفال في القاعة الخلفية.
ويرى المؤرخ توينبي أننا لو أخذنا طفلين الأول من عائلة لوردات بريطانية وجعلناه يتربى بين قبائل الزولو، وأخذنا الطفل الأسود وربيناه في كنف عائلة أرستقراطية، لخرج الأول يرقص بالحربة على قرع الطبول في الاحتفالات الليلية. ولكان الأسود أكاديمياً يدخن السيجار وينطق الإنكليزية بلهجة ويلز.
ولو رجع أحدنا في الزمن إلى عصر الأنبياء لهرب بعد أيام لافتقاد حبة أسبرين للصداع ورائحة المدن الكريهة وانتشار الأمراض واللصوص في كل مكان. وبالتأكيد لو قفز إنسان من عصر تيمورلنك عام 1402م إلى مونتريال في كندا عام 2000 فلن يعود إلى حضرة السفاح ولو أغرقه بالذهب والنياشين السلطانية، فطبيعة التاريخ تقدمية.
ولو انقذف أحدنا بآلة الزمن إلى العام 5002 فسوف يغيب ولن نسمع صوته لأنه سيرى عالماً خالياً من الحرب والمرض والظلم وامتهان المرأة. وينقل الفيلسوف (محمد إقبال) في كتابه (تجديد التفكير الديني) في فصل (روح الثقافة الإسلامية) عن الصوفي (عبد القدوس الجنجوهي) أنه لو عرج به إلى السماء كما حصل لمحمد ص لما عاد" قسما بربي لو أني بلغت هذا المقام لما عدت أبداً". وهو الفرق بين الوعي الصوفي والنبوي. بين الخلاص الفردي والانقلاب الاجتماعي.
وعندما يحضر زميل عمل إلى مؤسسة يبدأ تصنيفه هل هو علوي؟ درزي؟ شيعي؟ ويمضي التصنيف إلى الأسفل كما في تقسيم أنواع الحشرات عند علماء الطبيعة. فإذا كان سنياً هل هو سلفي أم خلفي؟ صوفي أم فقهي؟ وإذا كان من معسكر الصوفية فمن أي فرقة الرفاعية أم الشاذلية؟ وإذا كان إسلامياً فمن أي حزب؟ هل هو من الإخوان المسلمين أم حزب التحرير أم جماعة الجهاد؟ هل هو من جماعتنا أم منشق علينا؟ هل هو سليم العقيدة على منهج السنة والجماعة أم متأثر بفكر العلمانيين والحداثيين أم هو شيخ العصرانيين؟
إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان.
إنها تساؤلات يخفيها الجميع علناً ويتحدثون بها سراً. وفي بلد عربي الكل يقول أن الجيش والحكم بيد طائفة معينة. والكل يتهامس بها سرا. والكل لا ينطق بها علناً. في حالة نفاق مزمن ليس له إيمان. وخراج خفي ينفجر مثل انسمامات الدم في الحروب الأهلية.
هذا السؤال الوجودي يفاجأ به كل طفل ليكتشف نفسه ذكرا كان أو أنثى مسلما أم مسيحيا. وأذكر من طفولتي هذا الاكتشاف عندما هرعت مع فريق من الأطفال النصارى إلى مخيم صيفي فحرمت من شرب الماء حينما صاح أحدهم هذا (مسلمي) يقصد مسلم فلا تذيقوه الماء. وما زالت الكلمة ترن في أذني حتى اليوم. لأنني اكتشفت أنني مختلف عن الآخرين ومحروم من جنتهم.
وأتذكر من الجامعة عندما التقيت بأحدهم جلس أمامي وعيونه تفحصني مثل الرادار يتشمم أفكاري كما تفعل الأرانب حين الاقتراب من أرنب غريب. فكنت إذا ذكرت فكرة استنكرها بكل الأدلة (النقلية والعقلية). وبعد أسبوع التقيت به وإذا بالمعارضة تحولت إلى استسلام بدون أي فلترة للأفكار. تعجبت ولما عرفت السبب زال العجب فقد أخذ (الأخ) التزكية ممن سلم عقله له. فحمدت الله على المصادفة.
وفي قرية عامودة من منطقة الجزيرة في سوريا رأيت فيها أربع مساجد للمذاهب الأربعة كل يصلي بطريقته ووقته. وما زلت أذكر شيخ الحنفية وهو يستشهد بحاشية ابن عابدين في الفقه الحنفي المؤلفة من آلاف الصفحات. أن مذهبه هو الأعلى. والنقاش في مثل هذه الحالات غير مجدي. والنصوص لا تخدم إلا في زيادة الانشقاق. وكما يقول الوردي أن كل فريق عنده استعداد أن يجند كل الأدلة (العقلية والنقلية) على صحة مذهبه. وفي حرب الخليج عام 1990م انعقد مؤتمران إسلاميان في مكة وبغداد حضرهما قادة الفكر الإسلامي. كل يؤكد بكافة الأدلة صحة ما ذهب إليه فريقه. ومعها كل الفتاوى والكتب المقدسة. مما يذكر بالصراع القديم في صفين. والذي حسم الموقف لم يكن المفكرون الإسلاميون بل أمريكا بصواريخ الكروز.
وفي حي الميدان في دمشق حضرتني صلاة العصر في مسجد فرأيت أناساً يصلون وأناساً ينتظرون إمام مذهبهم، وبذلك قسمت المذاهب الناس شيعا وأحزابا كل حزب بما لديهم فرحون.
وفي بعض كتب الفقهاء كلاماً لا يصدقه الإنسان هل يجوز زواج الشافعية من الحنفي؟ وهو ما يذكر بصرخة فولتير عندما أرادت كاثوليكية الزواج من بروتستاتني فهرع الكاثوليك لقتلهم فكتب فولتير مقالة نارية بعنوان: اسحقوا العار.
وفي طهران تقدم سني ليصلي بالناس صلاة العصر وكان في زيارة لهم بمناسبة ذكرى الثورة فلم يصل خلفه إلا نفر قليل، حتى جاء إمام الشيعة فاحتشدت خلفه الجموع وبدأ التكبير.
وفي الجولان من سوريا جمع الحب بين فتاة شركسية وشاب غير شركسي فحصلت أزمة مخيفة ضد التقاليد والمذهب وكاد الحب أن يذوي الاثنين. حتى تغلب الحب فتزوجا وأنجبا.
هذا السؤال الوجودي يطرح نفسه ليس باتجاه الأسفل في اكتشاف تشقق الفصائل الإنسانية وتعدد الملل والنحل والمذاهب وفصائل الفصائل. بل صعوداً في شجرة الفكر والعقائد إلى الأعلى. فإذا كانت الشجرة تتفرع ومن كل فرع تصدر فروعاً جديدة، فإن رحلة العودة سواء في مستوى شجرة التفاح أو الخليقة والأفكار تتوحد تدريجياً.
ونحن نعلم من علم الأنثروبولوجيا أن مصدر الإنسان ليس القرد، ولكن القرود بأنواعها من الأورانج أوتان والشمبانزي والغوريلا تجتمع في فرع خاص بها، لتلتقي مع فرع الإنسانيات (الهومونيد) فيما يشبه الفرعان المستقلان ليشكلا غصناً جديدا في شجرة الخليقة، لينبثق الغصنان بدورهما من كائن أقدم من الاثنين هو (مفترس الحشرات) الذي ربما وجد قبل عشرة ملايين من السنين، ومن هذا الكائن انبثقت أنواع شتى منه فصائل منوعة للقرود بجانب فرع مستقل للإنسانيات الذي أعطى ما لا يقل عن 11 نوعاً فيما كشف عنه علم الانثروبولوجيا حتى الآن. وهي نقلة نوعية استمرت أكثر من ستة ملايين من السنين وأنجبت أشكالاً مختلفة من إنسان (جاوة) و(الكرومانون) و(الروبوست) و(افارينيسس) و(اردبيثيكوس راميدوس) ولعل أقدمهم هو إنسان (الملينيوم) الذي عاش قبل أكثر من ستة ملايين من السنين. وفي نهاية السلسة وقبل 150 ألف سنة جاء إنسان نياندرتال. وفي نهاية النهاية من الاشتقاق جاء نوعنا المسمى العاقل العاقل (الهومو سابينز سابينز) الذي استقر شكله بين أربعين ومائتي ألف سنة ولعله المقصود به آدم الذي نطق. وعلم الإنسان ما لم يعلم وكان فضل الله عليك عظيما.
ومن هذه المقارنة بين شجرة الخليقة وشجرة الأفكار والملل والنحل نعرف أن أحدنا لا يزيد عن ثمرة من شجرة عملاقة. وهو يعلمنا التواضع والتسامح وتقبل الآخرين.
والسؤال المعكوس هو عندما يواجه الطفل أمه كما روى لي أحدهم فيسألها عن نوعين من الدعاء تعلمهما من المدرسة. لماذا كان الدعاء دعائين؟ يكون جواب الأم: الصيغة الأولى هي للمذهب الحنفي والثاني للشافعي ونحن على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة. ولكن الطفل يبدأ رحلة العودة تدريجياً فيتخيل أن الأم الثانية ستقول بدورها لطفلها عن الدعاء الثاني أنه على مذهب (الأمام الأعظم) الشافعي. وبذا ينطلق التفكير على نحو مسلسل انشطاري. لماذا اختلف الحنفي عن الشافعي؟ وما معنى وجود أكثر من أربعة مذاهب في الدين الواحد؟ وما معنى اختلاف الشيعي عن السني؟ بنفس الوقت الذي تحكم نفس الجدلية الفرع الآخر المتشعب من شجرة الاختلاف. فكما صدرت فروع مثل المالكي والحنبلي في المذهب السني انشقت فروع لا نهاية لها من المذهب الشيعي بدء من فروق بسيطة كما يحدث في أول صدور فروع الانشقاق من الغصن الكبير فيبرز المذهب الزيدي والإمامي القريبان من السنة ليصل إلى بعض الفرق التي تصل إلى حد تأليه الحاكم بأمر الله وعلي. وبينهما طيف واسع من العقائد تعرض لذكرها ابن خلدون في مقدمته بالتفصيل فذكر فرقا كثيرة مثل الكيسانية والإسماعيلية والفاطمية والواقفية والهاشمية... الخ. والعلويون والدروز هما أيضا انشقاقات من الغصن الشيعي. فإذا صعدنا في شجرة الخلاف الفكري اجتمع الغصن الشيعي والسني إلى دين واحد. ولكن الشجرة الإنسانية لا تكف عن التفرع فنرى الخلاف المذهبي ليس ضمن الدين الواحد مثل الشيعي والسني والخارجي واليزيدي (وهو غير الزيدي ويعبدون الشيطان ويسمونه طاووسا وأنه مستخلف في حكم الأرض لمدة عشرة آلاف سنة ويقدسون ابن معاوية يزيد ومنه اشتق اسمهم ومعظمهم يعيش في جبل سنجار الممتد بين العراق وسوريا) بل نرى تدرجات الاختلاف تحت الشيعي مثل الزيدي والإمامي والاسماعيلي والعلوي والدرزي، وعند نقطة تفرع الأديان نرى المسلم والمسيحي. وفي الفرع الكبير عند المسيحي نرى الأغصان تتكاثر بنفس القانون العضوي فتبرز فرق لا نهاية لها مثل الأرثوذكس والكاثوليك والمارون والأقباط والبروتستانت والأرمن والكلدان والمورمون وشهود يهوه والمعمدانيون. وينطبق هذا في أغصان الأديان فنرى البوذية والهندوسية، ومن كل فرع أغصان شتى فنرى من البوذية أتباع لاما وبوذية زن، ويسري نفس القانون على اليهودية. ولكن شجرة الإنسانية تفاجئنا بتنوعات أكبر حجما من أعظم شجرة تين في الصيف لنرى ليس أصحاب الأديان والمذاهب في الأديان والفرق في المذهب والجماعات في الفرقة. بل نرى من شجرة التفرع الكبيرة انشقاق فرع من يؤمن ومن يلحد. من يؤمن بدين ومن يعبد النار أو الأجداد ومن يعتقد بالماركسية فيكفر بكل الأديان، ويعتقد أن الدين أفيون الشعوب. أو يعتقد بالقومية والنازية فيرى أنها ديانة جديدة. أو يعلن موت الإله كما فعل الفيلسوف فريدريك نيتشه قبل أن يصاب بالجنون. ولكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم. وهنا نصل إلى الجذع الكبير الذي تنشق منه كل الفروع. وكان الإنسان أكثر شيء جدلا.
لفهم هذه الجدلية يجب استيعاب ثلاث حقائق: (1)(الحقيقة الأولى) الكون مبني على التعددية سواء الفيزياء أو النبات أو الحيوان والطير والإنسان والأفكار والحضارات. فالعناصر تتدرج بزيادة بروتون واحد في كل قفزة مثل السلم الموسيقي. ولكن مع كل قفزة تتحقق شخصية نوعية جديدة، ولا يعني زيادة بروتون واحد على واحد اثنين بل شيئاً مختلفاً. والصوديوم والكلور عنصران مختلفان فالكلور غاز سام استخدم في خنادق الحرب العالمية الأولى والصوديوم شبه معدن فعال، ولكن اجتماع الاثنين يخلق ملح الطعام الذي لا نستغني عنه في كل وجبة طعام ويشكل جوهرا في تركيب أخلاط الدم، وفي يوم كان الناس يتبادلونه مثل صرر النقود والمعادن النفيسة. كما أن الزئبق والذهب يقتربان من بعضهما جدا وسحب بروتون واحد من الزئبق تقلبه ذهباً وبالعكس. والبلوتونيوم 239 سلاح التفجير النووي ومن ملكه أصبح قوة عظمى ولو كان شعبه مليون نسمة. وهو يوجد باللعب في ذرة اليورانيوم بين إضافة بروتون وسحب نترونين لقلب الذرة التي تحمل 92 بروتوناً و146 نتروناً. وقانون التعددية هذا يسري على كل الكون ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود. ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه. كذلك إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ. (2) الحقيقة الثانية: إن الكون خلق بالأصل بالخلاف ولذلك خلقهم ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة. ولكنه لم يجعلهم أمة واحدة. وإلا ما معنى أن يجعلن لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا. (3) الحقيقة الثالثة: إن هذه الجدلية والاختلاف تمشي في اتجاهين التفاعل أو التدمير. وهي ظاهرة معروفة في الفيزياء. فاجتماع الإلكترون والبوزترون يدمر الاثنين، واجتماع المادة ومضاد المادة يفني الجانبين ويطلق طاقة خرافية. وإذا تشقق المجتمع إلى أقليات كل أقلية تعيش في شرنقتها الخاصة تتبادل الكراهية أكثر من الخبرة والكيد أكثر من التنوع الثقافي دخل المجتمع ليل التاريخ وتبرمج للحرب الأهلية، كما حصل في البوسنة ورواندا ولبنان، أو دخل مشكلة التطهير العرقي كما حصل في تركيا بإبادة مليون أرمني عام 1918م أو في أسبانيا بتهجير مليوني مسلم بقرار الترحيل الجماعي للملك فيليب الثاني عام 1608 م. وقد يحل المجتمع المشكلة الإثنية ولكنه يتورط في مشاكل جديدة كما في الحرب الأهلية مع الأكراد في تركيا بعد أن انتهى من مذابح الأرمن. والحرب الأهلية في أسبانيا بين فرانكو والشيوعيين فمات ثلاثة ملايين. وقتل الأسباني الأسباني بعد أن لم يبق مسلم. لأن جدلية الاختلاف الجوهرية لم تحل. وجدلية الاختلاف تنهي التناقض في مرحلة ولكنها لا تحل كل التناقض بل تقفز إلى عتبة جديدة. فهذا قانون وجودي.
ويبدو أن الجغرافيا تلعب دوراً في تشكيل شرانق الانعزال إلى حين دخول المجتمع المرحلة المدنية وانفتاحه على بعض، كما يحدث (للخراجات المتعفنة) حينما تنفتح إلى السطح الخارجي. فلا شيء أخطر من انحباس الخراجات في جيوب عميقة معزولة، ولا أصح (لعقد النفس) من التنفس للخارج فيتحرر المرء من عقال.
وفي سوريا ولبنان تكاثرت الطوائف بسبب جغرافي بحت بوجود الجبال التي تعين على الانعزال، وينطبق هذا على بعض مناطق العالم العربي حيث الصحاري المعزولة، مما شجع على انعزال فرق الخوارج أو نشوء تيارات التشدد. وهو عكس ما يحصل لأهل السواحل حيث يتم من خلال التجارة تبادل الأفكار مع البضائع. وهكذا انتقلت البوذية على طول طريق الحرير. حيث دمر الطالبان تماثيل بوذا. ومشى حواري المسيح كما يقول المؤرخ البريطاني توينبي على طول الطرق التي سلكتها اللجيونات الرومانية فانتقلت المسيحية إلى كل الأصقاع حتى القبائل الجرمانية وإيرلندا.
وحيث الجبال عششت الفرق الخائفة من الاضطهاد، وهكذا استقر العلويون في جبالهم في سوريا ولبنان حتى تركيا. والدروز في جبل العرب. والمارونيون في جبال لبنان. واليزيديون في جبل سنجار. ولم يحصل هذا في مصر لأن حواف النيل لا تسمح بالعزلة فاختلط الناس. وفي يوم كانت مصر فاطمية لمدة مائتي سنة، ولكن لا يوجد اليوم فاطمي واحد، والأزهر صممه الفاطميون بالأصل مع مجيء جوهر الصقلي لنشر الدعوة الفاطمية، وهو اليوم مركز إشعاع الفقه السني. وفي الوقت الذي أنتجت مصر الدروز والعلويون فانمحى رسمهم هناك انتقلوا إلى سوريا فوجدوا الملاذ في جبال معزولة حتى حين. ونفس الشيء حصل لأتباع زرادشت في إيران والبهائيون. سنة الله في خلقه. واليوم تصدق أوكرانيا على قانون يحظر الجماعات الدينية التي ينقص عددها عن عشرين. ولكن المسيحية بدأت برجل واثني عشر حواري وخائن. والأديان والأحزاب والجماعات تبدأ من رجل واحد كما حصل مع حسن البنا في الإخوان المسلمين وانطوان سعادة مع الحزب القومي وميشيل عفلق مع حزب البعث وأكرم الحوراني مع الحزب الإشتراكي ولينين مع الحزب الشيوعي. وإن إبراهيم كان أمة قانتا لله ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه. ولكن الدعوات في العادة تبدأ عملها بدون رخصة مزاولة مهنة. فتحارب وتنمو حتى تتغلب سنة الله في خلقه.
وامتصت إيران الإسلام بطريقتها الخاصة حيث المعارضة فأنبتت المذهب الشيعي والموضوع لا علاقة له بتفكير وطول تأمل. أكثر من الملابسات الجغرافية والتنوع الحضاري. والإسلام في إيران هو تمثل خاص لمادة الخام الإسلامية. وإسلام التتر غير إسلام أهل البوسنة. وهو مبدأ هام أن نفهم أن كل تنوع ثقافي يمتص الفكر بطريقته الخاصة ويلونه بلونه المتميز. وفكرة تنوع النماذج أو النسخ الإسلامية هامة كما صرح بذلك شيخ الأزهر في مقابلة لمجلة در شبجل الألمانية. وبذلك اختلف الإسلام التركي عن الإيراني والماليزي عن العربي. وأربكان في تركيا حل صراعه مع النظام العلماني ليس حسما بالسيف بل بالصبر على الأذى وانتظار نضوج الثمر, في الوقت الذي يقطعون الجزائريون الرؤوس بالفوؤس. فكل أمة لها نكهتها الخاصة في التصدي للمشاكل.
ولكن العصر يتغير واحتكاك الثقافات يزيد وفي أوربا توجد أثنيات لانهاية لها. ولكن المواطن يعطي ولاءه اليوم إلى ما هو أكبر من الدولة القومية في اتجاه القرآن. وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا وليس لتتقاتلوا.
وفي كندا يرحب بالمهاجر ويقال له نحن نرحب بك حسب انتماءك الإثني ونريد منك أن تغني تجربة المجتمع الكندي. ومن يمشي في شوراع مدينة مونتريال في كندا يلاحظ تباين الألوان لأقوام يرطنون بعشرات اللغات ومئات اللهجات. وتسعى كندا للمحافظة على تراث الهنود الأصليين في أكثر من مناسبة وتشريع.
وكما يقول المؤرخ توينبي أن أقوى تجمعات الأرض كانت أمريكا الشمالية بسبب هذا التمازج الإثني والولاء للمجتمع الكبير وأن قيمة الإنسان من عمله وليس أصله.
وأما في الشرق المنكود فما زالت تعيش أيام تيمورلنك وكل يحدق من حوله بنظارة لونية مختلفة هل هو شيعي تشع من عينيه الخبث؟ أو سني متشدد؟ أو أموي شارك في قتل آل البيت في الوقت الذي لم يبق على ظهرها أمويا ولا إماما؟!
وطالما عششت فينا هذه الخراجات فلنرتقب خسفا أو مسخا أريحا حمراء أو ريحا صرصراً سبع ليالي وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية؟
كتبها نوري سلامه في 07:57 مساءً ::
الاسم: نوري سلامه
