المواطن العربي
بقلم خالص جلبي
المواطن العربي اليوم يتكلم بتلفون جوَّال، ويسكن في عمارة شاهقة، ويقود سيارة فارهة. والجندي يقاتل بالصواريخ، والجراح يجري جراحة معقدة، في صورة مشابهة للوسط الأوربي، حذو القذة للقذة، مثل البيضة للبيضة، بفارق أن الأول بيضة مسلوقة، والثاني تحول الى ديك يصبح على السياج، ما بعد منتصف الليل حتى مطلع الفجر.
المواطن العربي يلبس بذلة أنيقة، وتلمع في صدره ربطة عنق جميلة، ويضع على عينيه نظارة مصنوعة في ايطاليا، شكله الخارجي كفرد لا ينقصه شيء عن أي مواطن أمريكي، بفارق أنه أخرس ولد بدون لسان، لايفتح فمه إلا عند طبيب الأسنان، وهو فارق من شأنه أن يجعل الصورة في صورة كاريكاتور، تجعل الانسان يضحك بدون صوت، ومواطن يمشي على رأسه بدون أن يشعر بالدوار.
الانسان العربي خائف من التصريح بآرائه ولو بمنشور سري؟ مكتوب عليه أن يبلع الخرافات، ويتحمل الظلم الى يوم يبعثون.
الانسان العربي ذكي يأخذ (120 %) في امتحانات الذكاء ( IQ ) ويحتال على حل مشاكله ببناء العلاقات الشخصية واصطياد الفرص ؛ فمنذ عصر الحجاج انقلب المجتمع الى قبيلة من الصيادين؛ فلم تعد الخدمات العامة حقاً دستورياً للمواطن، بل وجب اصطيادها بصنارة من رشوة ووساطة، تناسب حجم الصيد.
وبالمقابل فهناك مناطق في العالم العربي يركض فيها المواطن العربي منذ عصر المماليك، حافي القدمين، ممزق الجلباب ينزف عرقاً ودماً؛ فلم يعد يملك ما يشتري به الحذاء، لا يعيش في مجتمع؛ بل بقايا مجتمع، شبه مجتمع، وشبح مجتمع.
مواطن بلا وطن .
المواطن العربي لايرى المشاكل بل يصطدم بها اصطداماً، كما ينطح الأعمى الجدار، فيجرح رأسه ولا يتعلم من خطأه، بما تتورع عن فعله الاميبيا؟! فيسرع الى الحلول الجاهزة والسريعة والفهلوية، لمشاكل في حجم الجبال تعس من قرون، ويعمد الى شراء آلة لا يحسن استخدامها، ويعجز عن صيانتها، ولا يفكر في تطويرها. فقد طارت منه شروط الحضارة الثلاث!! إنه يعالج قصر القامة بلبس بذلة طويلة، وتسلق الجبل بتسلق ظل الجبل؟
إن عادة تسلق الظلال غير حميدة !!
جاء في قصة كليلة ودمنة أن مجموعة من اللصوص أرادت السطو على منزل، وشعر رب المنزل بحركتهم؛ فأهدته زوجته الى حيلة؛ أن يتحدث عن ثروته الطائلة التي جمعها بالسرقة، فإذا دخل البيوت نزلها على ظهر شعاع من ضوء القمر.
كل ما يحتاجه ترديد سبع مرات شولم .. شولم؟!!
فلما هم زعيم العصابة أن ينزل السطح بنفس الطريقة دقت عنقه
نحن نريد معالجة أمورنا بالصعود على أشعة ضوء القمر.
ضرب المفكر (علي شريعتي) المثل عن الآلة أنها تبقى تؤدي وظيفتها عند الأوربي، وهي عند الشرقي تخرب بعد أيام من استعمالها، ويبقى يستعملها محدودة الوظيفة قرناً من الزمن بدون فكرة إصلاحها، هذا المنظر رأيته أنا شخصياً واضحاً في مصاعد قديمة في ألمانيا ومدينة مونتريال في كندا.
هل هذه صورة قاتمة للواقع ؟ المشكلة أن الواقع أسوء بدرجات من هذا الوصف!!
عندما سئل المجنون عن الجسر لماذا صنع وما هو دوره؟
كان جوابه ببساطة: لكي يمر النهر من تحته ؟!
المواطن العربي كفرد مادة خامة قابلة للتصنيع في أي ماكينة اجتماعية، شهادتنا في ذلك أبناؤنا الذين يذهبون للغرب؛ فينخرطون في الماكينة الغربية فيبدعون ويلمعون؛ ويخرج منهم يعقوب وزويل ودبغي، فإذا عادوا الى الوطن انكمشوا وتقلصوا مثل القماش السيئ بعد الغسيل، في شهادة صاعقة عن بيئة عقيمة ، وجو خانق؟ ….والسؤال الصاعق لماذا؟ والجواب إنه الوسط والقرآن يقول والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا..
ولكن لماذا نشأت هذه الظروف الجهنمية؟ من ولادة الجملوكيات الملعونة، وترسخ أشجار الديكتاتوريات، مثل شجر الجحيم، طلعها كأنه رؤوس الشياطين..
فإنها لآكلون منها الزقوم، فمالئون منها البطون، ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم…
المواطن العربي حذر من نفسه، خائف من ظله، لا يثق بجاره، ولا يحسن التعامل مع زميله في العمل، أخرس يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا، أتقن فن الصمت وتلقي الأوامر، وماتت عنده روح المبادرة، وفقد روح الجماعة قبل أن يولد، يردد مقولة ديكارت مقلوبة: عاش سعيداً من بقي في الظل .
إذا كان كل مواطن يغلق بابه على نفسه، ويعيش مع نفسه وعياله، فقد تحول الى ذرة رمل تائهة، غير متماسكة مع غيرها، في صحراء تضرب فيها عاصفة الصحراء، على ساحل الخليج، عقيمة لا تنبت الزرع والضرع، في مؤشر خطير على انقضاء أجل الأمة أو يكاد.
العرب يعيشون في عصر لم يولدوا فيه، أو ولدوا في عصر لا ينتسبون إليه، تشكل الحداثة لهم الجن الأزرق المكرر في قصة سندباد البحري، عندما اختلط عليه الوهم مع الحقيقة، فبدأت عيناه في الدوران والزوغان، قبل أن يعرف حقيقة من هو ملك الجان الأزرق؟
منذ عصر كولومبس قبل 500 سنة وقعت الواقعة، وافترقت الأمم على الأعراف عند جبل طارق، المطل على المحيط الهادي، فذهبت أمم الى نعيم مقيم، وجلست أمم خلف المضيق محبوسة في جحيم المتوسط، مثل جن النبي سليمان، الذين لو عرفوا موته ما لبثوا في العذاب المهين، وأسدل التاريخ ستاره كالمقصلة على أعناق العرب، وخسروا المحيط والقارات الى الأبد، ومعها الثروة العالمية والسيطرة والنفوذ والتفوق العلمي.
نحن نمدح أنفسنا ورؤساءنا الى حد القرف، ونحن نلعنهم في قلوبنا، ونكذب بأشد من أشعب، حتى نصدق أنفسنا؛ فذاتنا مبرأة من العيوب، فوق الخطأ ودون النقد.
عدم تحمل النقد، وانعدام آلية المراجعة، واتهام الآخرين بقصورنا، وعزو فشلنا إليهم تبرير غ
المزيد